Labels

Friday, March 5, 2010

Joseph Smaha

الأخبار
العدد: الجمعة 5 اّذار 2010
في الذكرى الثالثة لرحيله: جوزف سماحة الباحث عن مكان رحب

 بعد وفاة جوزف سماحة، كتب كثيرون عنه. رووا أجزاءً من حكايته، ورووا خصوصاً حكاياتهم معه أو حكاياتهم عبره. هذا النص الذي كتبته أمل حوّا، التي عرفت جوزف صديقاً وكاتباً، قد يكون أوّل محاولة جدّية لتحليل الفكر السياسي لجوزف سماحة: علاقته بالماركسيّة والعروبة، رؤيته لتجربتَيْ الحركة الوطنيّة وحزب اللّه، نظرته إلى الصحافة وإلى دوره كمثقّف... قراءة لن تحظى بالإجماع، لكنّها تفتح بلا شك نافذةً إلى عوالم جوزف المتعدّدة



أمل حوّا

هذه كتابة تأخّرت واستحقت عن الصحافي والمفكر والصديق الراحل جوزف سماحة الذي لم يتوقف قلمه، منذ ثمانينات القرن الماضي، عن التذكير ببديهيات وأساسيات الصراع العربي الإسرائيلي وأبعاده النهضوية، وفي الدفاع عن المقاومة التي أثبتت بقيادة حسن نصر اللّه أنّها تملك «فكراً استراتيجياً»، وخطاباً يمكن تياراتٍ سياسية واسعة أن «تتماهى معه»، وقدرة «على استكشاف المشترك والبناء عليه»، و«حكمة في تقدير الظروف...». لقد دافع سماحة عن الحق في التصدّي للهجمة الاسرائيلية الاميركية، داحضاً الافكار التي تدعو الى إعادة النظر بمرحلة كاملة من التاريخ العربي لا لاستئناف المواجهة، بل للبرهان على أن الخطأ هو في مبدأ المقاومة بالذات. لقد ساجل جوزف في «الأخبار» لا دفاعاً عن هذا الحق فقط، بل للبرهان على أن الالتفاف الوطني والعربي حول المقاومة وحده القادر على منع انزلاق البلاد، والمنطقة، نحو «الخراب الكبير». وكان جوزف، في افتتاحية العدد الأول من «الأخبار»، قد دعا الى رفع مستوى السجال حتى ولو من موقع الاختلاف. لا بل كان يطالب بالاختلاف واعداً بأن يسمع، ويصوّب، ويجتهد، ذلك أنّ النقد مثّل دوماً مادّة يغرف منها عقله المتوقّد لتطوير السجال وتجديده. والنقد مهما كان قاسياً لم يكن، برأيه، يفسد للودّ قضية. مساهمة متأخّرة ربما، لأن الهجمة لإخضاع المقاومة المحتضَنة شعبياً في الجنوب وفلسطين والعراق، كانت من الشراسة والإجرام أنّ صوت الاختلاف ما كان ليُسمع، ولو سُمع ما كان ليُفهَم. كان التضامن مع شباب يتصدّى ببطولة خارقة للعدو الإسرائيلي ويحطّم أسطورةإسرائيل التي لا تقهر، عفوياً وصادقاً وواجباً، مثلما كان الحياد بين مقاومة إسلامية من جهة، ودولة مارست ظلماً تاريخياً بحق الشعب الفلسطيني، وشعوب المنطقة، ظالماً. وكان على أي كتابة يسارية تدافع عن حق المقاومة، أن تتأكد ايضاً، أنّها لا تسهم في بثّ الأوهام في أن يكون انتصار الحركة الإسلامية انتصاراً لوجهة التنمية والتقدّم والديموقراطية والوحدة القومية. وربّما وجب أن نضيف الى ما تقدّم، أن الكاتبة قد أمست منذ سنوات عديدة خارج إطار أي عمل حزبي، وهي ــ وإن كان بوسعها تمييز الظلم والظالم والخطأ ــ إلا أنها، بالمقابل، لم تعد تدّعي أنها تمتلك «الحقيقة» والبديل الواضح.
الكتابة عن جوزف ليست بالامر السهل. فتراث جوزف الصحافي ضخم، امتدّ يومياً وعلى مدى أربعة عقود تقريباً، عبر افتتاحيّات له في «السفير»، و«اليوم السابع»، و«الحياة»، وصولاً الى «الأخبار»، بالإضافة الى كتابيه «سلام عابر» (1993)، و«قضاء لا قدر» (1996). لكنّ الكتابة عنه دَيْن شخصي في عهدة صداقتنا، وواجب فكري، لأن جوزف ذهب أكثر من غيره من أبناء جيله في النضال عبر الصحافة، ومارس تأثيراً مهمّاً في الحياة السياسية اللبنانية والعربية، وفي تكوين وعي جيل من الشباب اليساري والقومي. وهو في حياته ومواقفه وانتمائه السياسي، كان موضع التباس، التباس أسهم في الترويج له أصدقاؤه ربّما أكثر من خصومه. ولم يكن يعني جوزف توضيح هذه الالتباسات، ربما لدماثة في الطبع، وشعور برغبة الملتبس عليه في إدامتها، أو ربما بسبب ضيق بترسيم الحدود والانكفاء في وضوحها وتصنيفاتها. وكان اختيار «الأخبار» لنشر هذه المقالة نابعاً من أنّها عنَتْ لجوزف الكثير، وكانت خطاً أحمر حتى في الصداقات التي كان يقيسها في آخر أيامه بمدى اهتمام الأصدقاء بقراءتها وتقدير الجهد المبذول فيها، لأن اللامبالاة كانت دوماً هاجسه الكبير.
سلام يا جوزف. لقد رمت «الأخبار»، كما وعدت، «غير بحصة في بحيرة الإعلام اللبناني»، ونحن ما زلنا نقرأها مطلع كل صباح... ونفتقدك.

تجربة «الأخبار»

لقد استهوى جوزف تأدية دور الفارس الشهم معقد آمال الأمّة في المعارك المصيرية. وهو في كل ذلك، لم يكن يستهويه دور المثقّف الذي يرشد «الأمير»، بل دور المثقف الذي يحدوه همّ أخلاقي ويزهوه أن يكون حاضراً «حيث يتوقع الناس أن يجدوه». هو دور تلبّسه طفلاً، فكان معقد آمال عائلته التي خرجت عن طورها لتؤمّن له فرصة الالتحاق بمدارس النخبة في البلاد. وتلبّسه مراهقاً، في بينو، قرية جدّته لوالدته، وفي فريق «الكرة الطائرة» في الضيعة حيث كان يلعب «على وقع هتافات المشجّعين والمشجّعات «بدنا كبسة... أبو الزوز»»، وهو الدور الذي مارسه في جريدة «الوطن»، الناطقة بلسان الحركة الوطنية، بالحدّة السجالية نفسها التي عرفناه بها أخيراً في جريدة «الأخبار». وهو الدور الذي أدّاه دوماً في الصداقات الأزليّة والمتجدّدة التي بقي فيها وفيّاً حاضراً في الملمّة، رغم طفشه أحياناً كثيرة من واجباتها التي لا تحصى.
اختتم جوزف حياة مليئة حيث رغب أن يكون في تلك الظروف التاريخية بالذات التي أسّست لولادة جريدة «الأخبار». ربما لم تكن «الأخبار» جريدته «المثالية»، لكنها كانت بالتأكيد جريدة «الضرورة الأخلاقية» في مهب الأزمات والاستقطابات الحادة بين تيار «داعم للغرب ومساعيه للهيمنة على المنطقة»، وتيار إسلامي «يملك قوى قادرة على التصدي لهذه الهجمة». منذ صدمة اغتيال رفيق الحريري، شعر جوزف بأهمية إصدار مطبوعة جديدة. كان يرى في «الانتفاضة الشبابية» مزيجاً «من مشاعر ومواقف متعدّدة بعضها نبيل، وديموقراطي، ووطني بكل ما لهذه الكلمات من معنى»،
لكنه، بالمقابل، كان يدرك أن ثمة جهات تريد الثأر من حزب الله ومنعه «من تعميم تجربة المقاومة ومن مدّ يد المساعدة للانتفاضة الفلسطينية». كان يدرك أن صدمة الاغتيال هي من القوة بأنها سترفع الاحراج عن مثقفين يساريين كانوا حتى اللحظة متوانين عن الالتحاق بمافيا المال الاقليمي. وكان، وهو يشاهد انخطاف العديد من الشباب اليساري بهذه الانتفاضة «الوحدوية»، يقتنع أكثر بأهمية مشروع صحيفة تسهم في وقف هذا الانزلاق، وتطرح نفسها قطباً بديلاً يضاهي في جدّيته وجرأته وديموقراطيّته وحريته وجماليّة إخراجه ألوان حصاد الربيع السياسي اللبناني، أو ما بقي منه، مجتمعاً. وممّا لا شك فيه أن «الأخبار» نجحت. ويعود ذلك النجاح الى المناخ الحرّ والنقدي الذي طاول كل أقسامها وانتشر في تصميمها الأفقي الرحب. ولم يكن ذلك ممكناً إلا في فضاء تسوده علاقات ديموقراطية «لامركزية» متحرّرة من ثقل حضور صاحب مطبوعة. مناخ احتضن مجموعة من الصحافيّين يجمعهم الحد الأدنى المطلوب لسياقها: التزام سياسي أدبي وأخلاقي بضرورة دعم المقاومة في مواجهة مساعي الهيمنة والتصفية، وهمّ بتقديم الجديد بروح عالية من المسؤولية المهنية. لقد تفيّأت مجموعة شبابية بمساحة الحرية والثقة تلك، فبادلتْها باندفاعةٍ لتقديم الافضل والبحث عن الجديد والمميّز. وقد استقطبت شخصيات معروفة من عالم الأدب والفن والقضاء والسياسة، ونجحت في أن تفرض مكانتها سريعاً في الوسط الاعلامي اللبناني.
كان سماحة يرى في الدعوة الى الحياد ضمن الصراع القائم موقفاً غبياً أو تذاكياً يستبطن في أحسن الأحوال عدم ممانعة الطرف الذي يسعى للهيمنة. وما يصحّ في السياسة، يصحّ أيضاً في الصحافة. ولأنّ جوزف لا يعرف كيف يضع حدوداً لموقعه في أيّ معركة، أراد لـ«الأخبار» أن تحمل مهمّتين معاً: «مهمّتنا في الجريدة مزدوجة». وأن تحمل مشروعين أيضاً: «سنفعل ذلك معلنين أننا ننتمي، سياسياً، إلى معسكر رافضي الهيمنة... ومعلنين أيضاً أننا ننتمي، مهنياً، إلى معسكر الحرص على التعددية والديموقراطية والموضوعية والحداثة والثقافة الإبداعية». ترك سماحة للأقسام الأخرى في الجريدة مهمّة تقديم صوت ديموقراطي علماني تحرري قومي ويساري، لأن هذا الموقع ما كان بإمكانه الدفاع سياسياً عن مقاومة متجسّدة بحزب ديني. لقد أتاح تعبير «رافضي الهيمنة» جَمْع قوى متنابذة تنتمي الى نظم فكرية معادية على المستوى الاجتماعي والطبقي والدولتيّ. ولكن الغاية كانت تبرر الوسيلة بالنسبة إلى جوزف. والغاية كانت مواجهة حشد من القوى والأيديولوجيات التي اجتمعت على تصفية المقاومة لا لصفتها الدينية، بل تحديداً لطبيعتها المعادية لإسرائيل والاستعمار، ولأنها تقف في وجهه لفرض مشيئته على المنطقة. لقد حصر سماحة مهمّته في تعرية المهاجمين من كل الايديولوجيات من «المكتب الديموقراطي» في وزارة الخارجية الاميركية، الى «الوهابية» السعودية، الى القوات اللبنانية، الى المدافعين عن الدولة والدستور، ولا تنتهي باليسار الديموقراطي. كان يقول إن الاستعمار لم يبدّل جلده، والدولة الوهابية المتحالفة معه ايضاً، والقوات اللبنانية محال، وإن دولة الوفاق الطائفي ما زالت هي القائمة. كان عليه دحض كل فريق ونزع ادعاءاته، حتى ولو لجأ في ذلك الى المساجلة من عقر المنطق الذي يرفضه بالذات. كان يريد أن يقول إن «اليسار الديموقراطي» والكتّاب اليساريّين هم الذين خلعوا جلدهم ووقفوا في موقع واحد مع قوى الاستعمار وإسرائيل، وكان على جوزف أن يعرّيهم من أي حجج تقدّمية وحداثية وتحررية، أو حتى حرة، يسترون بها تراجعهم الى المربّع الشخصي والخاص جداً، الى مربع الناجين بأنفسهم و«الناجحين» في الحياة.
لم تكن مهمته يسيرة. كان عليه أن يشرف على خريطة الصراع الاستراتيجي في العالم، وفي ذهنه تفاصيل اللعبة السياسية الداخلية والاقليمية والعالمية. كان عليه متابعة كل تصريح للّاعبين الاساسيين وكل مفارقة عند اللاعبين الصغار لردّ الكرة الى حلبتهم. وكان بالتأكيد أكثر إلماماً منهم بالمفاهيم والمواقف التي يدّعون تمثيلها كالديموقراطية وشرعة حقوق الإنسان، والحريات العامة، والقومية والماركسية، مستغلاً مطبّاتها عند التطبيق ومستنزفاً في كل ذلك خلاصة اختصاصه الفلسفي.
لقد خاض سماحة المعركة بحماسة التبس معها على المتابعين، وربما عليه نفسه، لمن القيادة السياسية للمعركة. كان يعتقد ربما أن الوجود اليساري في خط الهجوم الاول في المعركة الدفاعية الدائرة يؤسس لانطلاقة يسارية جديدة دون الحاجة الى الإلحاح على بلورة خط بديل ومواقف متباينة. أو ربما اعتقد أن مأزق حزب الله سيضطرّه للخروج من الإطار المذهبي الاسلامي الضيّق باتجاه أفق عروبي، وأن على اليسار التقاط هذه الفرصة ليقدم هذا الافق. بكلمة أخرى، كان سماحة، كما سنبيّن لاحقاً، يعيد مع حزب الله، تكرار تجربة الحركة الوطنية مع الزعامة الدرزية، المتمثّلة آنذاك بكمال جنبلاط. وكان «اليساريون» في المقلب الآخر يعيدون التجربة نفسها مع الحريرية. فقط صوت الشيوعيين تميّز هذه المرة، وسعى الى طرح خط ثالث، لكنه تصرف كطائفة بدل أن يكون في القلب من التظاهرات الحاشدة في كلا المعسكرين حاملاً شعاراته الخاصة، حتى ولو تطلب ذلك منه أن يدفع ثمناً لموقفه.

الصحافة السجاليّة والنضاليّة

لقد رجم البعض جريدة «الأخبار» بحجر «الموضوعية» (انظر مقالة عباس بيضون في «الأخبار»: «صحافة الموقف والسجال بدعة»)، وأصدروا حكماً مترفّعاً على مجمل الصحافة الحزبية والسجالية دون تمييز. موقف استبطن في المقابل احتراماً وتقديراً للصحافة التقليدية. كنّا سنفهم لو أن اعتراض الزميل بيضون كان على الموقف السياسي للجريدة، على غياب خطّ يساري مثلاً، لكنّ اعتراضه هو على صحافة الموقف والسجال، لأن هذه الصحافة، برأيه، لا تمثل «الموضوعية»، ولأن الدمج بين المهنة والموقف بدعة.
لقد دُعيت «الأخبار» الى ممارسة الانحياز بحدود ما تفرضه اللياقة والمجاملات في خضم انقسامات واستقطابات حادة، وعلى مفترق خيارات صعبة تتعلق بمستقبل المنطقة ومصير لبنان وموقعه فيها. لكنّ واضعي شرعة حرية الصحافة الاميركية لا يتفقون مع هذا الرأي. فهم من دعاة الصحافة السجالية وينظرون بريبة وازدراء إلى الصحف التقليدية العملاقة التي تتمتّع عادة ببَركة السلطات أو تخضع لضغوطها (ضغوط أخطبوط المال والسوق قد تكون أقوى أحياناً). فبين عامي 1760 و1776، ظهرت في المستعمرة الاميركية مئات المنشورات، السرية بسبب القمع الذي واجهته، وفّرت الأجواء الثقافية للحوار في موضوع الاستقلال. ونظراً لدورها، أصرّ ثوماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة الاميركية، على إدخال تعديل أول على الدستور عام 1790، كان القصد منه حماية صحافة الرأي أو الصحافة السجالية. والحق أن صحافة الموقف والسجال واجب عندما تواجه البلاد خيارات مصيرية. وظيفة تلك الصحافة الإسهام في الصراع الدائر من أجل ترجيح كفّة خيار على أخرى. وحيث لا توجد هذه الصحافة، وجب اللجوء الى أي وسيلة لإيجادها.
إن «الموضوعية» في الصحافة كانت وستبقى دوماً ملكاً للطرف الاقوى. والضعف والقوة لا يتحدّدان فقط بميزان القوة العسكرية، بل أيضاً بميزان القانون والشرع المجمع عليهما والذي يتمتع فوق ذلك بقبول المجتمع الدولي. في الحالة اللبنانية، لا تحتاج صحف الموالاة إلى أكثر من دعم الحكم والشرعية الدستورية لكي تملك كل الاوراق القانونية والدولية و«الموضوعية» في معركتها ضد حزب الله. لا تدّعي هذه المقالة المعرفة، للحكم على الجانب المهني في أداء «الأخبار»، ولا للحكم على الأسلوب الحر المميز الذي خطّته لنفسها لنقل الخبر، لكنّ كاتبتها تقرأ «الأخبار» يومياً تحديداً لفهم ما يقف وراء الواقعة والخبر. صغر حجم الخبر لا يجعله بريئاً. لقد أصبح العالم فعلاً شبكة معقّدة من العلاقات والمصالح. لقد مرّ خبر قيام بيلاروسيا برفع دعوة على حزب اللّه بوصفه في أحسن الاحوال، خبراً يرد من وكالات أنباء عالمية، ولكن كم تميّزت «الأخبار» عندما قدّمت الى جانب الخبر تحليلاً لموقع هذه الدولة ومكانتها في خريطة الصراع العالمي الدائر حاليّاً.
ينتمي جوزف الى وسط كتّاب/ صحافيين احتلّوا على مدى عقود من الزمن المساحة «الزائدة» في الصحافة اللبنانية. وهي مساحة بنيت على الشرخ العميق الناتج عن تضارب مصالح الطوائف الاساسية منذ قيام دولة لبنان الكبير (لا نتحدث هنا عن الفضائيات، ولا سيما الخليجية منها، ولا نتناول مستويات الديموقراطية بين الوطني وما فوق الوطني وتداخلهما). شرخ ما انفك يتسع منذ صدمة طرد الشعب الفلسطيني من أرضه وغرس كيان صهيوني لمواجهة أي محاولات تحديثية في المنطقة، وتزايد مع الاعتداء الاسرائيلي على مصر الناصرية كإحدى هذه المحاولات، وتنامى بفعل أحداث ايلول في الاردن، وصولاً الى الحرب الاهلية في لبنان... الخ. لقد شُيّدت على هذا الشرخ مبانٍ إعلامية وصحافية عديدة، استوطنها يسار لبناني، ولا سيما القادم من منظمة العمل الشيوعي. وما سهّل على المنظمة احتلال هذا الحيز، بالاضافة الى الخبرة الصحافية (لم يكن صدفةً أن مجلة الحرية كانت المجلة اليسارية العلنية الوحيدة في لبنان)، الخلطة العروبية التي أضيف إليها بعض من المقولات الماركسية الرائجة. كان افتقار الوضوح الفكري والسياسي للمنظمة نافعاً. فقد تعلّمت قيادتها السباحة في كل الاتجاهات مع إبقاء المزايدات اللفظية كلما اقتضت الحاجة. كانت من بين قوى اليسار الأقرب الى المقاومة الفلسطينية لا سيما بوجود الرديف الفلسطيني، «الجبهة الديموقراطية»، وكانت الاكثر شعبوية والاكثر تأثّراً بإفرازاتها العسكرية. كان الشباب العربي اليساري والماركسي القادم الى لبنان لتنسُّم أجواء الحرية ينتهي إما كما انتهى إليه رياض البكري، الذي أعدم فور دخوله الاراضي العراقية قادماً من لبنان، او كما انتهى إليه يحيى العراقي الكردي اغتيالاً برصاص كاتم للصوت بينما كان يقود دراجته النارية تحت جسر الكولا، أو أيضاً كما ينتهي إليه العديد من المناضلين السوريين الذين يقبعون ثمانية عشر عاماً وما يزيد في الاعتقال.
نعم إنها بلا شك فضائل التركيبة «الديموقراطية اللبنانية»، ولكن ليس لنا، كمجتمع مدني أو سياسي، فضل كبير في استحقاقها. ربما وجب شكر الانتداب الفرنسي على استيراده الخطاب الضروري لتجميلها وتحديثها. فالواقع أنه في كل التجارب السياسية والثقافية السابقة، لطت الحريات الاعلامية اليسارية والمعارضة في فيء إحدى المجموعات الطائفية الكبرى، وسرعان ما تحولت المباني الاعلامية «الزائدة» الى أحياء، وتحولت الاحياء الى مدن حتى نسي المثقفون أن مدينتهم قائمة على شرخ يمكنه أن يضمر فيبتلعهم أو أن ينفجر فيذرّرهم. المثقفون العائدون من ماضٍ يساريّ إما يسكتون عن لوثتها الطائفية كي يتمتعوا بالحرية الفردية في الكتابة والاختيار والحياة الخ... وإما يذهبون في موقفهم الى نهاياته المنطقية، فيمجّدون النظام الطائفي ويجدون في قوة المجموعات الطائفية ما يمنع قيام دولة مركزية مستبدة من جهة، وما يفشل من جهة اخرى، محاولات ابتلاعها من قبل الجوار. وانسجاماً مع هذا الموقف، يناصرون العائلات الكبيرة ذات الجذور الاقطاعية في مواجهة كل الصاعدين الى السلطة من مواقع مستحدثة، حتى أصبحوا اختصاصيين في تعقّب النسب والاصول تلك. أفليس الاصل أفضل من النسخة السلطوية الجديدة؟

الانتماء السياسي

نفهم أن تدفع صدمة خسارة كاتب بمستوى ملكة جوزف التحليلية والسجالية، وفي خضم معركة مفصلية، بعض المتحمسين للحزب الشيوعي اللبناني، الى احتسابه على كادر مثقّفي الحزب، أو بالاحرى الى التقدّم لتبنّيه باعتبارهم أقرب الورثة. لكن بعض أصدقاء الراحل، ممن رافقوه مشوار العمر وكانوا أيضاً رفاق سياسة سابقين استنكروا هذه الابوّة، وأن يُلف نعشه باللون الاحمر. وكنت وأنا أمشي بمحاذاتهم خلال التشييع أسمعهم يطرشقون بغضب تعابير مثل «كيف عملوه شيوعي؟». وكنت وأنا أستمع إليهم يتناهى إليّ صوت جوزف متمتماً في «عبّه» انو شو بدي اعملهن؟ ما كان جوزف لينزعج من تماهي الآخرين معه. وإقرارهم بجدارته في تولّي المواجهة السياسية عنهم، كان مصدر رضى عن النفس واطمئنان إلى نبل الموقف وأخلاقيته. أما احتجاج أصدقاء سماحة، فلم يكن ينبع من غيرة سياسيّة، ولا سيما أنهم كانوا قد أمسوا ألدّ خصومه السياسيين، بل لمعرفتهم الوثيقة بسماحة وفكره. لذا استوقفني قول لصديقه فواز طرابلسي في مقال في ذكرى عام على غيابه عنوانه: «جوزف سماحة: التوأم»، إن جوزف كان سيسرّ كثيراً «لو علم أن رفاقه لفّوا نعشه بالعلم الأحمر إلى جانب علم لبنان». لا تفيد هذه الجملة بأنّ سماحة ماركسي، لكنها لا تنفي أن يكون الشيوعيون أقرب الجهات السياسية الى قلبه. والواقع أننا لم نسمع سماحة يوماً يدعو اليساريين للانضمام الى الحزب الشيوعي، بل كان يدعو إلى أن ينضم الحزب الشيوعي الى جبهة «يسارية» عريضة. واليسارية بهذا المعنى إطار واسع قد يضم شيوعيين، لكن المقصود منه تحديداً التمايز عن الماركسية ومفاعيلها.

جوزف حامل لمشروع قومي. وقد عبّر عن ذلك صراحة وتكراراً في كل كتاباته. كان يتلقّف كل خبر في العالم يؤكد مكانة المسألة القومية لكي يستخدمه في إطار دعوة اليسار الى مراجعة موقفه من عبد الناصر. يكتب في سلام عابر، أن «الأولوية المطلقة هي لـ«المطلب القومي» بالنسبة إلى شعوب اوروبا الشرقية والوسطى»، و«لم تعش أوروبا الوسطى والشرقية «ثورة ديموقراطية». عاشت ربيع «الأمم» والانبعاث القومي الذي يتلطى وراء الديموقراطية...» (ص 97). وفي فرنسا يجد سماحة في الموقف المستجد للمناضل اليساري الفرنسي ريجيس دوبريه من ديغول في مقال «الى الغد، ديغول» تطويراً لماض شخصي يساري لأنه «يلحظ أهمية «المسألة القومية»». وفق هذا المقال، فإنّ حل المهمات القوميّة يتمّ بقيادة وفكر قوميّين، ما يعني أن اليسارية مشروع لما بعد تحقق النهضة العربية. يكتب أن دوبريه يلوم «أبناء جيله الذين كانوا يفتشون عن الابطال في كل أرجاء الارض متناسين أن بين ظهرانيهم رجلاً بقامة ديغول، رجلاً تاريخياً وصاحب مشروع تاريخي، رجلاً لا قيمة لأي يسار، حياله، إلا إذا كان يساراً يتبنّى مشروعه ولا يطرح أي تجاوز له إلا بعد تحقيقه فعلاً». («عشرون عاماً على غياب عبد الناصر»، اليوم السابع، 1990). لم يكن سماحة داعياً للانقسام أو الاختلاف أو الحزبية أو الطبقية، وافتتاحياته تخاطب الحكام العرب، أمراء ومشايخ ورؤساء، تعاتبهم لأنهم لا يعرفون ما تصنع أيديهم بحق هذه الامة، وتدعوهم للعودة إلى الصراط العربي المستقيم. وبعض المقالات التي كتبها سماحة لم تشأ الإشارة إلى وجود قصور تكويني في طبيعة الانظمة العربية، ليس فقط لجهة القدرة على الوقوف لتحسين مواقعها التفاوضية بل أيضاً لجهة رغبتها أو مصلحتها في إطلاق أي دينامية للتغيير. قد يكون انتماء سماحة الشيوعي اختلط على البعض بسبب الممارسة السياسية التي طغت على الاحزاب الشيوعية العربية خلال المرحلة السابقة على سقوط التجربة الروسية، عندما انقلبت تلك الاحزاب من رفض تبنّي المطالب القومية العربية بحجة موقف أممي، الى ملحق بالاحزاب القومية الاستبدادية وفق تصوّر بأن مرحلة تحرّر وطني ديموقراطي تتطلّب من الشيوعيين دعم البورجوازية الوطنية في سعيها للوصول الى السلطة وإتمام المهام الديموقراطية.

مغالطات بالجملة

لم يكن غمز فواز للحزب الشيوعي من قناة جوزف مصدر التشويش الوحيد في هذا المقال. بل يمكن اعتبار هذا المقال نموذجاً لما قصدناه بقولنا إن أصدقاء سماحة كانوا المسهمين الاساسيين في الالتباس الذي أحيط بمواقفه. سنكتفي في هذه المقالة بتناول الجانب السياسي ونترك جانباً الانطباع السلبي الذي يتركه المقال حول شخصية جوزف، إذ يظهره كشخص متقلّب وعابث حتى في السياسة «يوظّف كلّ تربيته الفلسفية لممارسة لعبته الأثيرة في أن يقنعك بوجهة نظر ثمّ يقنعك بنقيضها». لقد حاول فواز الاستعانة بسلطة معنوية لتأكيد رأيه، باعتبار أن بينه وبين جوزف «شبه توأمة لا فكاك منها»، ومن ذا يعرف شقه التوأم أكثر منه. ولكن يتبيّن لنا أن طرابلسي يتحاشى فهم صديقه لأنه يتحاشى الخوض في النسق السياسي الذي أعاد سماحة تكراره منذ الحرب الاهلية، أي منذ أن كان طرابلسي مسؤولاً بالقدر نفسه عن السياسة التي اتبعتها منظمة العمل الشيوعي آنذاك. يحاول فواز إقناع القارئ بأن سماحة انفضّ عن المشروع الذي أسّس لقيام «الأخبار»، وهي أولى تلك المغالطات. فهو يقول إن سماحة «ذهب الى النهاية في ما اعتقده مشروع تغيير في لبنان يحسم الصراع بين خط «أميركي» وخط «وطني قومي مقاوم». فوضع كل ما أوتي من موهبة وقدرة جدلية دعماً لمشروع المعارضة حسم المعركة بإسقاط الحكومة في الشارع. ولكن جوزف كان قد تعلّم من الدرس الأليم لحروب 1975ــ1990. فتوقّف عند «الخطّ الأحمر»: الاقتتال الأهلي، وقد لاحت بوادره في كانون الأول الماضي، فقال: كفى. هذه «الكفى» هي في اعتقادي وصية جوزف، بل صيحته، في وجه المعسكرين المفلسَين في لبنان».
يُفهم من كلام طرابلسي أن سماحة كان يدعو، قبل 1 كانون الأول، الى حسم الصراع لمصلحة أحد المعسكرين المتصارعين في لبنان، وهذا ما تدحضه كل افتتاحيات جوزف. فسماحة كان يدعو دوماً الى «إنتاج التسوية المناسبة»، لأن لبنان برأيه، محكوم بسقف التسويات. هكذا كان موقف سماحة منذ أواخر السبعينيات، وهكذا استمر في «الأخبار»: «إن هذا الاجتماع لن يستقرّ على صيغة تعايشية إلا عبر تقديم أجوبة تراعي المطالب المشروعة لجميع مكوّناته وتعكس ذلك في تركيبة السلطة، مجلساً نيابياً وحكومة». (افتتاحية «واقعية= تشاؤم»، 22 تشرين الثاني 2006) وكان يرى أن المعسكر المعادي للمقاومة مطالَب أميركياً بمنع التوصل الى تسوية مع حزب الله وأنه يجري «تحفيز قوى الموالاة على إسقاط حرمة الاقتتال الداخلي» (افتتاحية «حرارة جنوبية»، 8 شباط 2007)، «لقد انتهى، من المنظور الأميركي، عهد احتضان الفريق الحاكم من دون أن يكون له دور فعّال ومباشر في مواجهة القوى المصنّفة معادية» (افتتاحية «رايس ولبنان: إعادة الاصطفاف»، 27 كانون الثاني). وليس في افتتاحيات سماحة لمرحلة ما بعد 1 كانون الاول، ما يشي بالرغبة في الانفضاض عن مشروع المقاومة. وإذا كان ثمة تموضع جديد أو نبرة ميّزت افتتاحياته الاخيرة، فمردّها الى خيبة أمله من سلوك «النخب السنّية» في البلاد، التي قال إنها انتقلت الى موقع «متعارض مع تاريخها السابق المقاوم» لتصبح «الطفل المدلل للنظام العربي الرسمي وللدول الغربية معاً».
ومع ذلك، استمر سماحة بالرهان على كسب تأييد العمق السنّي العربي المتمثّل بـ«عرب الشعب» الذين «يميلون الى تأييد المعارضة اللبنانية، لأنها كما يقول، أثبتت أنها قادرة على «تلبية مطلبين قوميين عندهم: مقاومة السلطة ومقاومة السياسة الاميركية ــ الاسرائيلية». («التسوية الواجبة تضبط «الاعتصام المفتوح»»، الأخبار، 3 كانون الاول). ويضيف سماحة «إن الغطاء الايديولوجي لحلف «المعتدلين العرب» ما زال هجيناً، ولن يستطيع إنتاج تماسكه الداخلي إلا بالقضاء على المقاومة الراديكالية في فلسطين وعلى مقاومة الاحتلال الاميركي في العراق وعلى إرغام المدن اللبنانية على استكمال تغيير جلدها وقطع العلاقة بتاريخها القريب» («اصطفاف 12 تموز»، الأخبار، 4 كانون الأول). بالاضافة الى ذلك، رفض سماحة توزيعاً متساوياً للمسؤوليات عمّا آلت إليه الامور من تجييش طائفي بين المعسكرين، بل حمّل «تيار المستقبل» المسؤولية الكاملة عن الاحتقان المذهبي («الاحتقان المذهبي بين «الحزب» و«التيار»»، 12 كانون الاول)، واصفاً مأزق المعارضة بأنها «... ترسم لنفسها خطاً أحمر وترفض الانجرار نحو الفتنة والحرب الأهلية». («كلمة الى المعارضة»، 1 شباط).
وإذ نعود الى مقال طرابلسي، نقتطف مجدداً: «... غادر جوزف منظّمة العمل الشيوعي في ظروف لا تشرّف المنظمة ولا قيادتها. عند انهيار مشروع الحركة الوطنية، وتخلّي يسارها عن البرنامج الديموقراطي الجذري والعلماني، كان لسان حال جوزف: إذاً لا تغيير، فالمصالحة بين فرقاء النزاع أجدى والعمل في سبيل استعادة وحدة لبنان. كتب جوزف سلسلة مقالات انتقد فيها تخلّي الحركة الوطنية عن العلمانيّة، وتماهيها مع الإسلام السياسي، فصدر قرار تنظيمي بفصله. ولكن من أسف أن جوزف عبّر عن مراجعته تلك باتخاذه موقفاً ملتبساً من حكم أمين الجميّل والمفاوضات الإسرائيلية ـ اللبنانية التي أفضت إلى اتفاق 17 أيار». سنكتفي هنا بتعداد حجم المغالطات: أولاً، من وجهة نظر جوزف، ليست القوى الاسلامية التي احتلت المشهد السياسي بعد انهيار الحركة الوطنية وصولاً الى اتفاقية 17 أيار، هي نفسها القوى الاسلامية اليوم. القوى الاسلامية الطائفية التي سيطرت على العاصمة آنذاك، كانت غارقة باقتتال طائفي وداخلي وكانت وراء الجو المعادي للفلسطينيين. أما الحركة الاسلامية الحالية بقيادة نصر الله، فيرى سماحة في خطابها ما «يمكن لأي وطني لبناني أن يتماهى معه، وكذلك لأي عروبي، أو يساري، أو ديموقراطي، أو علماني، أو حتى لكثيرين ممن قيل لهم إن «الأحمر والابيض» هما لونا الوطنية الجديدة» («لبنان يفاجئ نفسه»، السفير، 3/9/2005). لقد اكتشف سماحة في نصر الله قائداً قادراً «على استكشاف المشترك والبناء عليه، وعلى الحكمة في تقدير الظروف،..».
ثانياً، عامل آخر ميّز مرحلة «الأخبار» عن المرحلة السابقة، هو «البعد المسيحي» الذي ضمن للمقاومة بعداً وطنياً. يكتب سماحة: «نعرف جيداً حساسية العلاقات المذهبية حالياً، ونقدّر المخاوف من فتنة سنّية ــ شيعية، ونسلّم بأولوية هذا الملف. إلا أن ما يجب قوله هو أن لبنان ليس، بهذا المعنى، شبيهاً بالبحرين مثلاً. الوضع اللبناني أكثر تعقيداً لأنه يغري بأن تحجب توترات مذهبية عمق الأزمة الوطنية التي نعيش والتي لا تكتمل صورتها من دون الإطلالة على «البعد المسيحي»».
ثالثاً، لم تتبنَّ الحركة الوطنية فعلياً وعلى الأرض خطاباً علمانياً وديموقراطياً كما يلمّح فواز، وهذا ما سنبيّنه في فقرتي الاقليات والحركة الوطنية.
رابعاً، إن التلميح بأن موقف سماحة من حكم أمين الجميّل واتفاقية 17 أيار كان ملتبساً، يحتاج إلى التوضيح لإنهاء اللغط المستمر حول هذا الموضوع مرّة نهائية. (سنعالج هذه النقطة في الفقرة المخصّصة للحركة الوطنية). والحقيقة أنه ما إن تنتهي من قراءة مقال طرابلسي في ذكرى صديقه حتى تنتبه الى أن الكتابة عن سماحة كانت وسيلة لتمييز موقفه، ربما لكثرة ما كان يجري الخلط بينهما، ولتحميل جوزف وحيداً التراث الفكري والسياسي الذي رافق سلوكيات جيل يساري بكامله.

موضوع الأقليّات كمدخل لفهم أسلوب سماحة

لا أدري لماذا تعيدني الذاكرة الآن الى مشهد لقاء جمعنا على هامش إحدى التظاهرات المناهضة للحرب الاميركية على العراق. أذكر يومها كيف مد جوزف قامته الطويلة وهو يقف على حافة الرصيف، محاولاً استكشاف حدود التظاهرة، وخاطبني: انظري، هذا جمع أقليات، كل الاقليات مجتمعة هنا اليوم». كان في كلام جوزف ما يشير الى استخفافه السياسي بدور الاقليات، ولا سيما في علاقات القوى الاستراتيجية. والواقع أن جوزف كان يمقت الاقلوية والانغلاق أكان حزبياً، أم طائفياً أو قومياً أم ثقافياً، أم حتى عائلياً، لأنها تتسم بصفات يبغضها، كالتقوقع على الذات، والتزمّت، والتشدّد، والعدائية، والاستقواء بالاقوى، وترسيم الحدود، والانانية، ورفض المشاركة... الخ. وهي صفات قبيحة بالفعل، فكيف إذا كان الزمن لا ينبئ بتغيير جذري، وإذا كان الناظر إليها قد ترعرع في منزل تسوده حياة تكافلية أبوابها مفتوحة أمام الجميع.


والكلام عن الاقليات عند سماحة مرتبط بتعابير كـ«عصاب توتيري»، «أصحاب الرؤوس الحامية»، و«أداة صغيرة». ويمكن اعتبار الافتتاحية التي كتبها سماحة بعنوان ««الشعب الكردي» و«الطوائف العربية»»، وهي آخر ما كتبه بصدد المسألة الكردية لمناسبة وصول جلال الطالباني، الزعيم الكردي، الى سدة رئاسة الجمهورية العراقية (السفير، 9 آب 2005)، ملخصاً لموقفه من الاقليات، وفي الوقت نفسه نموذجاً للتكتيك السياسي الذي ميّز موقف اليسار في الحركة الوطنية.
يبهرنا جوزف في مطلع مقاله بموقف يتبنى أرقى ما توصلت إليه الماركسية بنسختها اللينينية الديموقراطية، أي حق الاقليات القومية في تقرير المصير، بما فيه الانفصال وإقامة دولة مستقلة. موقف لا يترك مجالاً للمزايدة. يكتب: «الشعب الكردي هو من أكبر شعوب العالم المحرومة من حقها في دولة: في دولة مستقلة تبرز هوية هذا الشعب وتسمح له بأن يمارس، كما يرتئي، حقه في تقرير مصيره». بعد هذه الفاتحة، يهبط جوزف الى الواقع. نقرأ: «إن الحصة العربية في هذا الحرمان أقل بما يقاس من حصص الآخرين دولياً وإقليمياً». ويضيف إن العرب أنفسهم يعانون من «حجب حقوق كثيرة» على يد هؤلاء الآخرين (إيران وتركيا هما الدولتان غير العربيتين اللتان تتقاسمان أراضي الشعب الكردي). ومع ذلك، يقول سماحة: «إن «أفضل «نص» توصل إليه الاكراد لتنظيم تعايشهم مع شعوب أخرى كان مع العرب (في انتظار الدستور العراقي الجديد) ولو أن الظروف التي حالت دون تطبيقه معروفة». هنا يتجلى الموقف القومي في استسهال الحديث عن العرب دون تمييز. فلكأن الشعب العربي في العراق، الذي ذاق ألوان القتل والتشريد والتعذيب على أيدي أنظمة الحكم الانقلابية المتتالية، شريك أو مسؤول، من قريب أو بعيد، عن وضع السياسات حيال أي من المواضيع المصيرية.
وبعد، لا يتوقف سماحة ليسأل: كيف يمكن نظاماً يقتل أهله من العرب السنّة المعارضين، ويمارس أشد أنواع التنكيل الجماعي بحق الأكراد، والعرب الشيعة، من تطهير عرقي، الى استخدام أسلحة محظورة، فوسفورية وكيماوية، أن يرشح لجائزة تقدير على حسن تعاطيه مع الحقوق الكردية؟ وهل قدرة الاكراد في العراق، خلال مرحلة ما، على انتزاع امتيازات استمرت محجوبة عنهم في الدول المجاورة، تعود الى كرم أخلاق النظام العربي القائم، ام الى الثقل الخاص للأكراد في التركيبة العراقية، بالمقارنة مع إيران وتركيا، والى الانتفاضات المتتالية التي قام بها الاكراد في المثلث العراقي التركي الإيراني منذ عام 1919، بالاضافة طبعاً الى الدعم الغربي لهذا الدور، ولا سيما في مواجهة أنظمة حكم قومية عربية؟

يعود سماحة في الفقرة الثانية من المقال الى رفع سقف موقفه مجدداً: «كان يتمنى المرء لو أن جلال الطالباني، أو غيره، أصبح رئيساً في سياق تطوّر طبيعي وديموقراطي للعراق وللفكر القومي العربي. كان ذلك سيكون دليل عافية ونمو، وبرهاناً على أن حل مشكلة الأقليات هو الوجه الآخر، والتتمة المنطقية لنجاح الأكثرية في التصدي للتحديات المطروحة عليها». ويهبط بعدها مباشرة الى الواقع: «لا مجال، في عالمنا اليوم، لمثل هذه التمنيات إلا بصفتها كذلك». يتعامل سماحة مع القيادة الكردية، التي تستقوي بالمشروع الاستعماري ضد مصالح الشعب العراقي، بوصفها معطى دائماً وجزءاً من الميول الطبيعية للأقليات. يهبط مقال سماحة الى كراهية متأصلة للأقليات عندما يكتب: «يبدو، أحياناً، أن في قلب كل أقلية، وكل وعي أقلوي، شيئاً من الرغبة في محاكاة النموذج الصهيوني بصفته المثال على نجاح حفنة قليلة العدد في امتهان مشاعر عشرات الملايين، ومصادرة حقوقهم، وإذلالهم، والتنكيل بهم واعتراض طريقهم المشروع نحو التحرر والنهضة». ومع أن سماحة يسعى الى التخفيف من وطأة هذه المقارنة باستخدامه، في الفقرة التالية، تعبير، «مع حفظ الفارق الكبير»، وإدراج تعبير «القيادة الكردية» لتمييزها عن الشعب، إلا أنه لا ينجح في وقف تدفق العاطفة القومية السامة تجاه الشعب الكردي والاقليات عموماً.
إن من طبيعة الفكر القومي الذي يتعامل مع العرب ككتلة ذات مصالح واحدة أن يتعامل مع الأقليات بوصفها كذلك أيضاً. وهنا قصور المنطق القومي على أكثر من صعيد، لأنه منطق منغلق على حدوده العرقية، تماماً كما أن المنطق الاسلامي منغلق على حدوده الدينية. قصور يمنعه من السعي الى اختراق هذه المنظومة الفكرية وإيجاد قواسم مشتركة بين التقدميين من الشعبين. إلا أن سماحة لا يعنيه أصلاً السعي الى كسب تأييد الفئات التقدمية والديموقراطية والاشتراكية في الوسط الكردي والسعي الى فك ارتباطها بقيادة متعاملة مع الغرب الاستعماري، ليس فقط ضد مصلحة جيرانها، بل ضد مصلحة شعبها بالدرجة الاولى.
وعندما يقول سماحة، وما يقوله صحيح، إن الاكراد يسعون الى اقتناص فرصة ضعف العرب للذهاب الى سياسة الحد الاقصى، وإن هذه السياسة تنتج وعياً يقول بأن الحد الاقصى من «الخلاص الكردي» شديد الارتباط بالحد الاقصى من «الخراب العراقي أو العربي» فإنه، أولاً لا يميّز بين قيادة وقضية شعب من جهة، ويخفي تقصيراً كبيراً من قبل الماركسيين والتقدميين الديموقراطيين العرب في وصول الوضع الى ما هو عليه اليوم. كنا نتمنى مثلاً أن نرى في التظاهرات العربية التي انطلقت ضد الحرب على العراق صوتاً تقدمياً عربياً واحداً يدعو الى الاعتذار التاريخي من الشعب الكردي والمطالبة بمنحه حقوقه السياسية والثقافية كمدخل لمطالبته بفضّ العلاقة مع الغرب الاستعماري. إن سياسات كهذه على المدى الطويل هي التي تنتج وعياً مغايراً بين الاقليات. إنّ ما يدعو سماحة الاكراد إليه هو تسليف حقهم للعرب، حتى نهوض العرب من واقعهم المتردي. يقول: «إن ما يتأسس على لحظة الانهاك العربي هذه قد لا يعمر طويلاً في حال التقطت المنطقة انفاسها». وإن على الاكراد «حسن التمييز بين الانجراف وراء غرائز الفرصة السانحة اليوم، والرهان على المستقبل وتسليف المحيط ما يمكن البناء عليه غداً». إن هذه السياسة القومية المغطاة بتعابير ماركسية إنما تعزز جنوح تيارات كردية، في ظل تعثر المشاريع الاميركية، الى التقاط مساعٍ اندماجية قادمة من تيارات إسلامية أصولية. فما الذي يضمن للأكراد وقد عانوا ما عانوه في تاريخهم، أنهم سيحصلون على حقوقهم من «العرب» بعد إنجاز نهضتهم، أو من «الايرانيين» أو من «الاتراك» في غياب أي توعية لجماهير هذه البلدان منذ الآن، حول حقوق الاكراد القومية؟ وما يجدر ذكره هنا هو أن ثمة مسؤولية تقع على الحزب الشيوعي العراقي الذي منذ اعتماده سياسة الجبهات التقدمية مع البعثيين، لم يتمايز موقفه كثيراً عن موقف هذا النظام.
تجربة الحركة الوطنيّة وصولاً إلى حكم أمين الجميّل
لم يكن سماحة ماركسياً، بل كانت الماركسية الحد الاقصى المستخدم لتوليف موقف قومي وما دون قومي. المشترك بين سماحة والشيوعيين هو الفصل التام بين مطالب الحد الاقصى والممارسة العملية. فصل لا يترك مجالاً لوجود رابط بين المطالب، رابط يضع الممارسة في خدمة المطلب الاقصى ولو على المدى البعيد. يكتب سماحة في «سلام عابر»: «التمسّك بالاهداف البعيدة شرط الاستمرار. أما تكييف اساليب العمل والارتضاء بما هو مرحلي (حتى لو كان مجرد تحديد للخسارة)، فمن الامور البديهية. ألف باء. الخيانة هي التخلّي عن طموحات الحد الاقصى، والحماقة هي رفض التعاطي مع الوضع الراهن...» (ص 53).
والواقع أنه عندما تبتعد الممارسة اليومية عن الهدف الذي ارتبطت به وتطمح لتحقيقه، فإنّها تصبح مائعة لدرجة أنها تلحق السرد أو المنخفض السياسي العام في المجتمع وتزخرف ابتلاعها في منزلقات الطائفية بأرقى التعابير وأبهرها. وعند كل مرحلة فشل، وعند كل تراجع، يجري الانفضاض عن السياسات السابقة دون أي مراجعة نقدية لتعود الممارسة نفسها مجدداً، ولكن في كل مرة، من موقع يقترب أكثر وأكثر من قاع المجتمع المهزوم.
كتب سماحة سلسلة مقالات في «اليوم السابع»، حاول فيها تقديم قراءته لتجربة الحركة الوطنية في لبنان، وسنختار من بينها مقال بعنوان «بيروت العصية» (5/6/1985) لشموليته وتمثيله. ستوضح لنا هذه المقالة موقف سماحة من حكم أمين الجميّل واتفاقية 17 أيار. يرى سماحة أن إرهاصات الانحطاط المذهبي في العاصمة بدأت تبين بعد أن تلقّى المشروع الوطني «ضربة موجعة عام 1976 (التدخل العسكري السوري في لبنان بطلب من الجبهة اللبنانية آنذاك) لم يبرز معناها الكامل إلا في عام 1977 مع اغتيال كمال جنبلاط...». وهو يحمّل وليد جنبلاط مسؤولية «حاسمة» في انهيار الحركة الوطنية فيكتب عن وليد أن «... الانكفاء المذهبي الذي قام به أطلق العنان للقوى النابذة وحطّم العمود الفقري للحركة التي «ورث» قيادتها...». ويتابع أنه مع انهيار الحركة الوطنية دخلت البلاد مرحلة تميّزت بتزايد التشنج الطائفي في العاصمة لأن «بيروت لم تعد تتماهى مع القوى الطائفية والمذهبية المسيطرة». وقد وصلت الامور حد «المطالبة بهبّة سنّية بيروتية مدعومة عربياً» ضد ما يسمّى ««الهيمنة الشيعية» على العاصمة». وإن ما جنّب الاقتتال آنذاك، هو الغزو الاسرائيلي لبيروت الذي أعاد العاصمة الى حضن المشروع الوطني مؤقتاً، لأن «ثمّة قضية قومية يجري الدفاع عنها».
ويتابع سماحة كيف اختلف اليسار مع الحزب الشيوعي اللبناني على تحديد المسؤول عن وصول الاوضاع الى ما هي عليه. فينتقد موقف جورج حاوي، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني آنذاك، من التقدمي وحركة أمل، وتصريحه بأن «المظهر الطائفي والمذهبي في النهوض الوطني إنما يحمل محتوى وطنياً وديموقراطياً وتقدمياً». ومع أن حاوي تراجع عن موقفه هذا، يقول سماحة، بعد الاقتتال الداخلي، فإنه استمر في إلقاء اللوم الاساسي على الخط الوطني...». وخلص سماحة الى أن ذلك يوفر «دليلاً جديداً على أن الدور المفقود ليس هو دور التيار الوطني فحسب، بل، تحديداً، دور التيار الذي حاولت «الجبهة» (كان حاوي آنذاك عضواً قيادياً في الجبهة الوطنية الديموقراطية) مصادرته وكمّ أفواهه ومنعه من الانخراط الحي في الصراع السياسي والسجال الفكري.
الطرفان المكوّنان لليسار اللبناني يختلفان على تحديد المسؤوليات عن انحطاط المشروع الوطني، ويغفلان عن الوهم الذي شيّداه معاً وتكفّل إعلامهما ببثّه على موجات تشويش الوعي من محطات تعلن أنها تنتمي الى العلمانية والديموقراطية. ربما توهّما أن الأخلاقيات هي التي تحرك زعيماً طائفياً لتجيير قواعده الطائفية لمصلحة مشروع وطني؟ ربما اعتقدا أن المصلحة الطائفية والطبقية لجنبلاط عرضية؟ ولكن الغريب هو أن يحمّل زعيماً طائفياً مسؤولية انهيار الحركة الوطنية لأنه نقل الحزب من «حزب يوظّف قاعدته الطائفية المذهبية في عمل وطني أرحب (!) إلى حزب منغلق على هذه القاعدة ورافض لأن يشكل العمود الفقري لحركة وطنية تمثّل تياراً عريضاً يتجاوز، ....الخ». وعلى ماذا يدل انهيار الحركة الوطنية بمجرد عودة جنبلاط الى مربعه الاصلي؟ هل توقّعا التوفيق بين التحالف مع مكون طائفي وتحقيق ادنى طموحاتهما في السعي الى توحيد شعب في إطار دولة مدنية مؤسساتية، يا ترى؟
أعتقد أن من الخطأ محاكمة سماحة واليسار من هذه الزاوية. على ما يبدو من كتابات سماحة، لم يكن اليسار واهماً، بل كان واعياً جداً لما ترتكبه سياسته ضمن الحركة الوطنية. لم يكن يعنيه أن تشوّش طبيعة جنبلاط الطبقية وتمثيله الطائفي على وعي قواعد اليسار أو على كيفية استقبال الشعب في المقلب الآخر من البلد لهذا التحالف، بل كانت خشيته من تأثير الطبيعة الاقلوية الطائفية للتقدمي على التعايش الاهلي في مدينة ذات أغلبية سنية. لذلك نجده يفتخر بأن اليسار هو من شجّع على جذب اوسع مشاركة لقوى طائفية وتقليدية لتحتل الصورة الى جانب جنبلاط. كتب سماحة مشيداً بالوضع: «المقاومة الفلسطينية موجودة وهي على صلة جيدة بالقيادات التقليدية. والحركة الوطنية، غير مكتفية بقيادة كمال جنبلاط تضع حوله شخصيات بيروتية عديدة وتنظيمات تملك حداً من التواجد في العاصمة، والاجتماعات تعقد في مركز خريجي المقاصد لتصوغ مشروعاً سياسياً يخاطب فئات واسعة في المجتمع ويجعلها تتعرّف على نفسها في الشعارات، والقيادات...». نعم لقد اعتبر سماحة جنبلاط «المكوّن الطائفي عنصر تنويع في حركة تحاول تجاوز ذلك...». نعم، تجاوز ذلك نحو جذب طوائف الاكثرية الى هذه الحركة لا على طرق باب ثالث.
قدم سماحة تحليله لفترة حكم أمين الجميّل. لسنا هنا بصدد الدفاع عن تحليلاته وسياسته، فنحن كما أوضحنا لا نتفق معها، لكننا نريد أن نوضح الالتباس الذي أحاط بموقفه من أجل إنصافه. يقول سماحة إنه «بعد الاحتلال الاسرائيلي ومجازر صبرا وشاتيلا كان لدى أمين الجميّل فرصة لإعادة توحيد البلاد، لأن لبنان لا يتوحد إلا وفق مشروعين واحدهما وطني عام وآخر ماروني لأن الموارنة كما يقول، هم «الطائفة الوحيدة في لبنان التي تستطيع القول، لأسباب لها علاقة بنشوء الكيان نفسه، إننا سنحكم لبنان كطائفة». ويضيف «إن عناصر تجديد الحكم مرة أخرى اجتمعت...» لكن «الإجماع سرعان ما انفض عن الجميّل لأنه أراد أن يحكم وفق شروط الحكم القديم غافلاً أن ميزان القوى الداخلي لم يعد يسمح لها بأن تجد طريقها إلى الترجمة». وقد شبّه سماحة الانتفاضة الاولى ضد الجميّل بأنها «أشبه ما تكون بكرنفال تنكّري همجي (رد) عليها بقمع دفعت العاصمة ثمنه غالياً وغالياً جداً».
لقد استفاض سماحة في شرح موقفه من اتفاقية 17 أيار، لم يكن مؤيداً للاتفاقية، ولا متعاوناً مع العدو، بل كان يقرأها ويتعامل مع حكم أمين الجميّل على خلفية الشحن المذهبي والجو المعادي للفلسطيني في مناطق سيطرة المقاومة سابقاً، وعدم التكافؤ الكبير في ميزان القوى العسكري والسياسي، الاحتلال، انخراط العرب في المشروع الاسرائيلي وغياب قوة محلية وعربية قادرة على حشد الشعب للمواجهة، والأهم غياب القيادة القادرة على صياغة خطاب تتماهى معه تيارات سياسية في العاصمة بيروت. وهو كان يعتقد أن كل نص واتفاقية وجدت لتُنقَد وأن على اللبنانيين جميعاً، بمن فيهم اليمين المسيحي، التمعّن في الاتفاقية والتركيز على تطبيق البنود الاستقلالية والسيادية والحرص على وحدة الوطن. («حول الاتفاق: لا سلطة للنص»، و«احتمالات ما بعد الاتفاق» 12 و19 أيار 1983، السفير). كان هاجسه هو وحدة الوطن. كان سماحة مدركاً أنّ الشعب اللبناني، وعلى الأقل في مناطق تواجد المقاومة سابقاً، سرعان ما سيعيد لحمته في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وكان مدركاً في الوقت نفسه أنّ سقوط لبنان في أتون مواجهات سنّية شيعيّة سوف يقود البلاد والمنطقة بأسرها إلى هاوية سحيقة تعيد المنطقة إلى عصر الأمراء والدويلات. هكذا يجب أن نقرأ موقفه من حكم أمين الجميّل واتفاقية 17 أيّار. ومن جهة أخرى، لم يكن سماحة رافضاً مبدأ التفاوض مع العدوّ الإسرائيلي. وقد قدم في كتابه «سلام عابر» للحجة النووية التي تفرض على العرب القبول بالمفاوضات، لكنه ايضاً قدم دليلاً عملياً للمفاوض العربي: للروحية التي يجب أن يذهب بها المفاوض وللأساسيات التي يجب أن لا تغيب عن ذهنه، أي نهضة الامة العربية وموقع الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من هذه النهضة.
لقد ردّ سماحة على محاولات بعض اليساريين تخوينه باللجوء الى هالة «الضمير» الفلسطيني والعربي. فيكتب في اليوم السابع: «يحضر في ذهني رسم لناجي العلي الذي لم يكن قد فقد بعد، مرارته الساخنة الموجعة. فإثر مجازر صبرا وشاتيلا في العام 1982 حصلت هبّة «لبنانية» متعددة الاسباب التقت على تأييد ترشيح أمين الجميّل للرئاسة. بدا وقتها أننا قاب قوسين من «طي ملف الازمة اللبنانية». احتار ناجي بين حزنه على الضحايا وشعوره بالوفاء حيال لبنان ورغبته في رؤية هذا البلد يغادر عذاباته. وعبّر عن هذه الحيرة بكاريكاتور سيبقى من أجمل ما رسم: مسرح. جثث على المسرح، فلسطينية في غالبيتها. الستارة تسدل وعلى كل جانب منها شطر من الارزة. الستارة تتحرك لتلتقي في ارزة موحدة حاجبة «منظر» الجثث. ومع الحركة هذه كلمة بالاحرف الكبيرة: النهاية!». ويضيف «لم تطل الحيرة كثيراً. لقد انحاز ناجي الى فكرة «نهاية» الازمة اللبنانية، ولو أدى ذلك الى محو الجثث من الذاكرة. لكن العواطف، على نبلها، لا تنفع هنا. لم يكن ناجي يدرك أن جثثاً اخرى ستحتل صدارة المسرح...». («جثث جديدة على المسرح ـ الذكرى الثالثة لصبرا وشاتيلا»، اليوم السابع، 23/9/1985).

جوزف
مرة اخرى، وفي اليوم السابع، يلجأ سماحة الى ناجي العلي. هذه المرة ليبرهن أنه «في السياسة ليس ضرورياً أن يكون الخط المستقيم هو «الخط المستقيم» فعلاً، وأنه ليس أقصر الطرق الى الهدف». يقول إن ناجي «كان واقعياً إلى أبعد حد. أخلاقياً بمعنى ما، ولكن بعيداً، بعض الشيء، عما تنضح به رسوماته الكاريكاتورية من نزعة «مانوية» ترفض أن ترى عشرات التلاوين بين الأبيض والأسود». «هل تقبل تحالفاً في أفريقيا... يا ناجي!» عنوان مقال لجوزف. فناجي، الذي كان قد تعلم لعبة «الريسك» خلال الحصار الاسرائيلي لبيروت، فاجأ الجميع كـ«مناور بارع»، يبني سياساته على «موازين القوى وكيفية تغييرها» وعلى استعداد لـ«عقد أكثر الصفقات غرابة... «صفقات مشبوهة»، تحقيقاً «للرغبة في احتلال أميركا».

زياد الرحباني ووردة الوداع
لا تتنافى الاخلاق مع التسويات أو بالاحرى فإن الاخلاق برأي جوزف تحتمل التسويات. عام 1990، عنون جوزف إحدى مقالاته في اليوم السابع «الحد الادنى من الاخلاق يقود الى المعارضة الشاملة»، وهو خص هذه المقالة بفاكلاف هافل، الذي انتقل من المسرح، الى السجن، قبل أن ينتقل الى سدة رئاسة تشيكوسلوفاكيا. ولكن في معرض مقاله عن هافل، ولا سيما في وصفه لشخصية الاخير، الكثير المشترك بينهما. يكتب: «يبقى أن الفكرة العامة في كتابات هافل التي تتكرر أكثر من غيرها، هي إسناد السياسة الى الاخلاق. بل إن السياسة، في عرفه، «الاخلاق قيد التطبيق والممارسة»، وهو يرى «أن أزمة المجتمع في جوهرها، أخلاقية»، لذلك فإن المخرج المنطقي الوحيد أمام المواطنين يجب أن يكون أخلاقياً». وبما أن المعارضة هي حاملة هذا المخرج، فإن «الحد الادنى من الاخلاق يدفع وحده الى المعارضة الشاملة». ويضيف إن «هذه «الأخلاقية» لا تمنع هافل، وهو في موقعه الجديد، من اعتبار أن التسويات ضرورية. ولكن هناك تسوية وتسوية».
هل كان جوزف يتماهى مع هافل عندما كتب: ... «سُمعتي (ينقل عنه جوزف)، هي أني معارض مشاغب ولكني قليل الثقة بنفسي. أخاف كثيراً وأشعر أحياناً بالشجاعة والقوة. منظّم وفوضوي. أحب الكسل وملذات الحياة. بطولة السجن المنسوبة إليّ... أني أحتمل السجن أقل بكثير ممن كان احتمله كثيرون غيري عبّروا عن إعجابهم بي. سوف أتعذّب باستمرار، أخاف، أرتعب، ألوم نفسي، ألعنها، أيأس، ولكن الناس يعرفون أن بوسعهم الاعتماد عليّ وأنهم يجدونني حيث هو مكاني. سأدفع ثمن ذلك غالياً لكني سأتحمّله بالرغم من كل شيء، وسأستمر في الإزعاج حيث يتوجّب ذلك».
كان سماحة يحبّ أن يكون حيث تكون الجماهير، أو حيث تجده الجماهير. كان مثال المثقف الذي لا يرتاح للهامشيين ولمثقفي الفرنكوفونية او اي شكل من اشكال الثقافة «المستوردة»، بما في ذلك الماركسية. كان الفكر القومي المكان الارحب الذي يتيح له التقرب من الميول في الشارع، التي كانت مصدر دعم وحمائية، بالاضافة الى دورها كمرجع يقيس به نبل الموقف. كان سماحة يبحث عن قامة قائد بطل، ربما في بحثه عن صورة الأب الذي لم يدركه، قادر على تعبئة الشارع العربي بأفق قومي. وإذ أعاد اكتشاف ذلك في الناصرية، فقد سعى بكتاباته لوصل المقاومة الاقلوية باتجاه العمق العربي الذي كان يرى أنه من دونه لن يكون ثمة قعر للاقتتال المذهبي الذي ستهوي إليه المنطقة. المفارقة، عند سماحة، أنه في الوقت الذي كان يساجل فيه ضد الوعي المؤسس على الهزيمة، فإنّه لم ينتبه إلى أن مواقفه السياسية في التعاطي مع قيادات الامر الواقع، ترتكز على تفكير متشائم في قدرة فعل الارادة في الاقتراب من بصيص نور، حتى ولو كان على مسافة سنوات ضوئية. كان سماحة في الواقع متشائماً. الخراب الكبير، والفقر ربما، من الهواجس الذي لم يتعايش معها بواقعية، لذلك وجد نفسه دائماً في حدّي الانسحاب ومغادرة البلاد أو البحث عمّن يدير دفة المواجهة، شرط أن يثبت اقترابه من نبض الشارع.
كتب سماحة في نعي صديقه مارون بغدادي ما قد ينطبق في نعيه: «عندما كتب أصدقاؤه ومعارفه في نعيه، كان اللافت للنظر التركيز على جانب العلاقة الشخصية معه. وجد كل واحد قصة يرويها. بدا كأنه يتحدث عن موت قسم من نفسه. ربما قاد التباس موقع بغدادي الى التردد في مقاربته من جانب ما... التركيز على العلاقة الشخصية مع فقيد هو نوع من التواجد عبر غيابه وبمناسبة هذا الغياب... غير أن الموت تحول الى لون من ألوان «احتفال» الهامشيين بهامشيتهم». (قضاء لا قدر، ص 65).

تبنّاه الشيوعيّون عند وفاته باعتبارهم أقرب الورثة
وإذ أكتب عنه الآن كصديق تحضر في ذهني مقولة: «أنت تجعلني أكره نفسي، لأنك تجعلني أظهر كل ما فيَّ من بشاعة»، لأن ميزة سماحة الشخصية، بالتحديد، قدرته على جعل المحيطين به يظهرون كل الاشياء الجميلة التي بداخلهم. كان قادراً على دفع الآخرين الى إعطاء أفضل ما لديهم، وكان يسعده أن يضاهوه في حقولهم ويشجّعهم على ذلك. كان قادراً على التقاط الصفات والطاقات الكامنة لأنه هو نفسه كان متعدّد الصفات، كثير الاهتمام بزوايا الحياة، محبّاً لمشاركتها. كان يكفي أن تجذبه ابتسامة، ضحكة، صوت، رقصة، بيت شعر، نص أدبي، مسرحية، ذكاء، أو حتى حنان إنساني «أصيل»... وكان الاحتمال الدائم لأفضل شراكة مثمرة في العمل، كما في الحياة والصداقات.
كتب عنه صديق لمناسبة عام على غيابه: «يروق لي حيناً ثالثاً أن أردّ صداقتي مع جوزف إلى سهرة باريسيّة أخرى قضيناها في بيته في الدائرة الخامسة. كنت شديد القلق على أهلي، وقضيت معظم المساء وأنا أحاول الاتصال هاتفياً بلبنان بعد انتشار نبأ القصف الإسرائيلي الشديد على الجنوب وقطع الجسور، ما ينذر بعزله عن المناطق اللبنانية الأخرى. في تلك السهرة قرأت مقاطع من «مخاطبات» النفّري ومواقفه. كان «أبو الزوز» منتشياً، فأخذ يدي ولثمها، مؤدّياً طقساً صعلوكياً مرتجلاً وعفوياً. لم يكن جوابي أقل صعلكة: لثمت يده على الفور». علينا أن نتخيل لو أن الكاتب امرأة، حجم الالتباسات التي استدعاها سماحة كلما كان يطيحه فيض من إحساس. كان الصديق الذي تساوت عنده الامور الصغيرة التي تصنع الحياة بالهموم الكبيرة التي تحكمها. هو كان يغرف من الاولى الجماليات والحب والاحساس والثقة بالحياة والناس وكرم رحابة الصداقات ليملأ بها همومه وليبدّد تشاؤمه وليستعين بها في المثابرة على الكتابة في اليوم التالي. كان يداري تعبه لوعْيه بحاجة الناس المتزايدة الى قلمه. وكانت التعليقات التي ترده أشبه بلمسة شافية على جبينه التعب، فما إن ابتعد بجسده عن قرّائه، حتى وافته المنيّة.

No comments:

Post a Comment